رهانات ترامب الاقتصادية لإنهاء حرب أوكرانيا تصطدم بحسابات بوتين الاستراتيجية

الإمارات اليوم 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

لو كان الرئيس الأميركي دونالد ترامب رئيساً لروسيا، لتوصل، بلا شك، إلى اتفاق سريع وسهل لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بل ربما اعتقد أن بإمكانه تحقيق ذلك في غضون 24 ساعة فقط، فمن وجهة نظره، يبدو الأمر بدهياً للغاية، ولا يستدعي كثيراً من التفكير.

ويرى ترامب أن إنهاء هذا الصراع المستمر، الذي دخل عامه الخامس، لن يقتصر على وقف مقتل الآلاف من الجنود الذين يصفهم بـ«الشبان الرائعين»، والذين يلقون حتفهم شهرياً على خطوط المواجهة، بل سيؤدي أيضاً، وهذا هو الأهم من وجهة نظره، إلى تحقيق مكاسب اقتصادية هائلة.

فمن الممكن رفع العقوبات المفروضة على موسكو، الأمر الذي سيفتح المجال أمام إبرام صفقات تجارية مربحة، وبمعنى آخر، يمكن أن يسود السلام والرخاء في منطقة وصلت فيها معدلات القتل والدمار إلى مستويات لم يعد من الممكن تحملها.

لكن الواقع يختلف عن هذه التصورات، فترامب ليس رئيساً لروسيا، حيث يتولى هذا المنصب الرئيس فلاديمير بوتين. ويبدو أن الرجل القوي في الكرملين لا يظهر اهتماماً يذكر بالتخلي عن أهدافه المعلنة من الحرب في أوكرانيا، سواء كان ذلك من أجل الحفاظ على أرواح الروس والأوكرانيين، أو سعياً إلى تحقيق مكاسب مالية إضافية بمليارات الدولارات لخزينة الدولة الروسية.

جهود متكررة

وهذا الفهم الخطأ لطبيعة الموقف الروسي هو ما دفع إدارة ترامب إلى بذل جهود متكررة، لم تحقق النتائج المرجوة، في محاولة للوساطة وإنهاء القتال. وقد تجلى ذلك مجدداً خلال الاجتماع الذي عقد في مدينة سانت بطرسبرغ، الأربعاء الماضي، وجمع بين بوتين والمبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف، صديق ترامب في عالم الأعمال الذي أصبح كبير مفاوضيه، وغاريد كوشنر، زوج ابنته.

وخلال الاجتماع، أبدى بوتين لويتكوف «فضوله» بمعرفة نتائج اللقاءات التي عقدت في النرويج قبل ذلك بيوم واحد، وشارك فيها مسؤولون من الولايات المتحدة وأوروبا وحلف شمال الأطلسي (الناتو) إلى جانب الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي. وكان الهدف من تلك اللقاءات بحث وصياغة مقترحات جديدة محتملة للسلام، تضمنت تقديم حوافز اقتصادية لروسيا في محاولة لدفعها إلى إنهاء الحرب.

وفي وقت لاحق، أكد أحد كبار مساعدي الكرملين أن مبعوث ترامب أطلع الرئيس الروسي على مضمون المناقشات التي جرت خلال تلك اللقاءات. وأضاف، في تصريح لم يكن مفاجئاً في ضوء الموقف الروسي، أن «تلك المناقشات لم تتضمن، في حقيقة الأمر، أي نقاط ذات قيمة فعلية تذكر يمكن أن تسهم في حل الأزمة الأوكرانية، وإنهاء الحرب الدائرة في المنطقة منذ سنوات عدة».

ولقد كانت هذه النتيجة متوقعة من جانب الكرملين، الذي ظل متمسكاً بمواقفه المتشددة دون أي تراجع، بما في ذلك السعي للسيطرة على منطقة دونباس بأكملها، الواقعة في شرق أوكرانيا، والمطالبة بأن يكون له رأي في الترتيبات الأمنية المستقبلية لكييف.

اعتبارات سياسية

وعلى الرغم من وضوح هذه المواقف، ربما كان البيت الأبيض يأمل بصدق أن يظهر الكرملين قدراً أكبر من المرونة والاستعداد لتقديم التنازلات، لاسيما بعد أن رفع ترامب العقوبات المفروضة على صادرات الديزل الروسية. وجاءت هذه الخطوة، بحسب التفسير المطروح، مدفوعة باعتبارات سياسية داخلية، في مقدمتها الرغبة في خفض أسعار الوقود في الولايات المتحدة قبيل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.

لكنها، في الوقت نفسه، وفرت مكسباً اقتصادياً مهماً لموسكو، من خلال تخفيف القيود الأميركية المفروضة على صادراتها.

ولاحقاً، أعلن ترامب عن مقترح لوقف الأعمال العدائية في قطاع الطاقة، إلا أن هذا المقترح لم يكتب له النجاح. وكان من شأنه أن يلزم أوكرانيا بوقف هجمات الطائرات المسيّرة التي تستهدف مصافي النفط الروسية وتُلحق أضراراً بها، وهو ما دفع ترامب إلى مطالبة كييف بوقف ضرباتها على تلك المنشآت.

وفي خضم تبادل الاتهامات بين واشنطن وكييف، والذي انعكس سلباً على تبادل المعلومات الاستخباراتية بين الولايات المتحدة وأوكرانيا، دعا ترامب أيضاً إلى تغيير القيادة الأوكرانية. وقد عدت هذه الدعوة تطوراً ينسجم مع التوجهات التي لطالما عبّرت عنها موسكو.

وضوح الأهداف

لكن هذه الصفقات والحوافز الاقتصادية، وحتى المواقف المشتركة التي تتسم بالانتقاد أو الازدراء تجاه كييف، لا تمثل بالنسبة إلى موسكو دعوة حقيقية للتعاون أو سبباً يدفعها إلى التراجع عن أهدافها، بل يبدو أن الكرملين ينظر إلى هذه التطورات بوصفها مؤشراً على أن استراتيجيته في التعامل مع الولايات المتحدة تحقق النتائج التي يسعى إليها حتى الآن.

وتتميز الاستراتيجية الروسية، على خلاف النهج الذي تتبعه واشنطن، بوضوح الأهداف والوسائل، فالرئيس الروسي يدرك جيداً العوامل التي تحفز ترامب وتؤثر في قراراته، ويستطيع استثمار اهتمامه بالصفقات الاقتصادية الكبرى لإشغال انتباهه وإبقائه منفتحاً على مقترحات موسكو.

ومن خلال التلويح بفرص استثمارية وتجارية ضخمة، يسعى بوتين إلى توجيه اهتمام نظيره الأميركي نحو المكاسب الاقتصادية المحتملة.

وقدّم الكرملين مزيداً من هذه العروض خلال الاجتماع الذي جمع بوتين بويتكوف في سانت بطرسبرغ، حيث أشاد الرئيس الروسي بقرار تخفيف القيود المتعلقة بصادرات الديزل، ثم أشار إلى إمكانية زيادة صادرات روسيا من الأسمدة إلى الولايات المتحدة، إلى جانب طرح فرص أخرى كثيرة.

وقال رئيس صندوق الاستثمار المباشر الروسي، ومن أبرز الشخصيات التي تتولى التواصل والتفاوض مع مسؤولي إدارة ترامب، كيريل ديميترييف، عقب المحادثات التي استمرت نحو ثلاث ساعات: «نناقش أيضاً مشاريع متنوعة، مثل مراكز البيانات، ومشاريع في قطاع الطاقة، وأشكالاً أخرى من التعاون في هذا المجال».

مزيد من الحوافز

ولا تقتصر الأدوات التي يستخدمها الكرملين لاستمالة الإدارة الأميركية على الإغراءات الاقتصادية وحدها، بل يبدو أن موسكو تسعى أيضاً إلى تقديم مبادرات من شأنها ضمان استمرار وجود قنوات اتصال مفتوحة مع البيت الأبيض، وإبقاء المسؤولين الأميركيين مستعدين للاستماع إلى الطروحات الروسية والتعامل معها بقدر من الاهتمام والتجاوب.

وقد شجع هذا النهج بوتين على مواصلة تقديم مزيد من الحوافز والمغريات التي يمكن أن يستخدمها للتأثير في توجهات الإدارة الأميركية، بما يخدم أهدافه في الحرب التي تشهدها أوكرانيا.

وفي هذا الإطار، أفرج بوتين، قبيل انعقاد اجتماع سانت بطرسبرغ، عن المواطن الأميركي ستيفن هوبارد، البالغ من العمر 74 عاماً، الذي كان محتجزاً لدى روسيا منذ أسره في أوكرانيا عام 2022، بالتزامن مع اندلاع الحرب.

ووصف ويتكوف هذه الخطوة، في تعبير عكس إعجاباً واضحاً بالمبادرة الروسية، بأنها تصرف يظهر «نزعة إنسانية» لدى بوتين. غير أن ظروف احتجاز هوبارد تثير تساؤلات بشأن طبيعة هذه الخطوة ودلالاتها، حيث إن المواطن الأميركي، المنحدر أصلاً من ولاية ميشيغان، عانى مشكلات صحية خطرة خلال سنوات أسره الأربع في مستعمرة عقابية روسية نائية.

وعندما أُعلن في نهاية المطاف عن إطلاق سراحه، أشاد البيت الأبيض بهذه الخطوة، واعتبرها دليلاً على قدرة ترامب على إبرام الصفقات وتحقيق النتائج، فضلاً عن كونها مؤشراً على استعداد بوتين للاستجابة لجهوده ومساعيه.

ورقة مساومة

وجاء في بيان نشر على منصة «تروث سوشال» التي يملكها ترامب: «الولايات المتحدة، وتقديراً للرئيس ترامب، لم تكن مطالبة بتقديم أي شيء في المقابل، وهو وضع غير مسبوق بالنسبة إلى روسيا».

غير أن هذا التفسير لا يعني بالضرورة أن المسؤول الروسي السابق في جهاز الاستخبارات السوفييتي، الذي يتربع اليوم على قمة السلطة في الكرملين، ينظر إلى عملية الإفراج عن هوبارد بالطريقة نفسها التي قدمها بها البيت الأبيض.

فمن غير المرجح أن يكون بوتين قد تعامل مع الإفراج عن المعلم الأميركي السابق باعتباره مجرد بادرة إنسانية لا تنتظر روسيا مقابلاً لها، بل إن من المحتمل أن يكون هوبارد قد احتجز بوصفه ورقة يمكن استخدامها في المساومة السياسية والدبلوماسية، وأن توقيت إطلاق سراحه جاء لخدمة أهداف محددة في إطار العلاقة مع واشنطن.

وبالمقابل، يرى هذا الطرح أن ترامب قدم لبوتين، من خلال طريقة تعامله مع القضية، دعماً سياسياً ومعنوياً بالغ القيمة، حيث أسهم في تعزيز موقع الكرملين وإظهار القيادة الروسية بمظهر الطرف المستعد للتعاون، بنما تصاعدت الخلافات بين واشنطن وكييف.  ماثيو تشانس* *كبير مراسلي شبكة «سي إن إن» للشؤون الدولية عن «سي إن إن»

• واشنطن تبحث عن تسوية تحقق مكاسب اقتصادية، لكن الكرملين يتعامل مع الحوافز بوصفها فرصة لتعزيز موقعه التفاوضي.

• جهود ترامب لربط السلام في أوكرانيا بفرص التعاون الاقتصادي، لم تغير الموقف الروسي في ظل الخلافات السياسية والأمنية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق